مشروع قانون الحوافز الانتخابية خطوة جديدة نحو ترسيخ الديمقراطية الترقيعية
مشروع قانون الحوافز الانتخابية خطوة جديدة نحو ترسيخ الديمقراطية الترقيعية
د. حيدر داخل الخزاعي
لاشك ان الديمقراطية نظام سام ،وتجربة اثبتت نجاحها ، فهي عبارة عن نظام متكامل فيها مدخلات ولها مخرجات ، والبلدان حديثة العهد بالديمقراطية تسعى لترسيخ تجربتها وتحسينها من خلال بناء ممارسات من شأنها ان ترفع من وعي شعوبها ،اما في بلدنا فان الديمقراطية ينظر لها بعين واحدة تكاد لا تبصر ،فهي عند البعض عبارة عن مدخلات (اجراء انتخابات) ولا شك بضرورتها وبالغ أهميتها ، فهي ركن أساس للديمقراطية، ، الا ان الديمقراطية ليست انتخابات فقط ، فهي ( الانتخابات) وان أعطت الشرعية لممثلي الشعب فإنها لا تعني نهاية مشوراهم في العمل ،بل عكس ذلك تماماً ،فهي تعني بداية مشوار جديد ، يلتزم بموجبه المسؤول المنتخب بتنفيذ وعوده وإصلاح ما يمكن إصلاحه، خصوصاً والعراق يعاني من مشاكل جمة ، تحتاج مواصلة الليل بالنهار كي يمكن تدارك جزء منها، وفي خضم التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه العراق، يلقي البرلمان العراقي حجراً اخر في بركة الحياة الديمقراطية الراكدة، عبر مقترح مشروع قانون الحوافز الانتخابية ، فالبرلمان العراقي بدلاً من بناء سلوكيات ترسخ الديمقراطية وتعزز ثقة المواطن بها وبمن ينتخبه من نواب وبناء العلاقة بين المواطن والدولة على أسس صحيحة يقدم بعض النواب مقترحاً، اقل ما يقال عنه انه يخالف كل اعراف الديمقراطية،
فالديمقراطية ليست أرقاماً كما يرى بعض الساسة ومنهم مقدمو مقترح الحوافز الانتخابية فبدلاً من ان يطالب هؤلاء النواب بوضع تشريع لإعادة الروح في جسد البرلمان المسجى والذي لم يعقد خلال دورته الانتخابية التي شارفت على نهايتها والتي بدأت في 9 كانون الثاني 2022، وحتى نهاية العام 2024 ، ما مجموعه 131 جلسة ، موزعة على ثلاث سنوات تشريعية السنة التشريعية الأولى كانت فيها(27) جلسة، و(53) جلسة خلال السنة التشريعية الثانية، و(47) جلسة السنة التشريعية الثالثة، واذا تتبعنا هذه الجلسات فان عدد القوانين المصوت عليها حتى نهاية العام2024 ما مجموعه (32) قانوناً، وكثير منها لا تمس حياة المواطن وكأن البلاد ليست فيها مشاكل وتعيش حالة استقرار وتنمية ، فليس امام البرلمان الا ان يحث المواطنين بمنحهم بعض الامتيازات حتى يشاركوا بالتصويت في الانتخابات المقبلة ، وهذا الامر ابعد ما يكون عن الشفافية فحين تقترح منح الموظف الذي يشارك في الانتخابات قدماً وظيفياً لمدة سته اشهر، والعامل في القطاع الخاص إعفاءه من الضرائب بمقدار 10% ، وتمنح الأولوية في التعيينات الحكومية للمشاركين في التصويت فهذا ليس تحفيزاً، بل هو استثمار سياسي واضح ، فهذا المقترح هو تشويه للعملية الديمقراطية فوضع قيمة مادية مقابل التصويت يحوله إلى مكسب شخصي ، كما انه يعمق الانقسام المجتمعي بمنح الفوائد للفئة المصوتة دون الأخرى وهذا يولد شعورا بالظلم ويؤدي الى فقدان الثقة بالدولة ان استمرار هكذا سياسات يمكن أن يعمق الإحباط من النظام السياسي ككل.
إن مشروع قانون الحوافز الانتخابية لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الاجتماعي الذي يعيشه العراق فنسبة كبيرة من المواطنين فقدت الثقة في جدوى العملية السياسية، نتيجة تراكم الإحباط من سلوك الطبقة السياسية، وهذا ما يدق ناقوس الخطر لما وصل اليه الحال فقد تصل العملية الديمقراطية الى طريق مسدود لا عودة فيه ، وقد تنهار في نهاية المطاف.
أن الديمقراطية ليست مجرد آلة تفرز نتائج بعد عملية الانتخاب، بل هي نظام قيمي يحمل في مضامينه مفهوم العدالة والمشاركة، الا ان الممارسة الديمقراطية في العراق، تبقى معرضة للتشوه والانحراف جراء هكذا سلوكيات ، وتراكم الاخطاء ،خصوصا ونحن في مرحلة البناء ، فلا بد من إعادة بناء مفهومها بصورة سليمة ، وان لا يفهم منها بانها إجراء شكلي محصور بإجراء الانتخابات، فهي تتطلب بناء مؤسسات قوية وفصل بين السلطات، فضلاً عن مشاركة فعالة من المواطنين في صناعة القرار.
إن مقترح هذا القانون ليس سوى محاولة سطحية لمعالجة أزمة ثقة عميقة بين المواطن والنظام السياسي فبدلاً من التركيز على تحسين الأداء الحكومي، تعزيز النزاهة، ومحاربة الفساد، يتم اللجوء إلى حلول قصيرة الأمد لا تعالج جذور المشكلة فالديمقراطية الحقيقية لا تُبنى على وعود مادية بل على مشاركة حرة وواعية تُستمد من شعور المواطن بمسؤوليته الوطنية فنحن بحاجة إلى إعادة النظر في أولويات السياسية، والتركيز على بناء دولة تحترم إرادة المواطن وتعزز ثقته بمؤسساتها، بدلاً من تزييف الديمقراطية عبر حوافز مؤقتة.